أبو علي سينا

148

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

فإن قيل فلم لم يقيد الشيخ تعريف الجود - بأنه ما يكون بالذات - أجيب عنه بأنه لو عرف الجواد - لاحتاج إلى ذكر هذا القيد - لكنه لما عرف الجود لم يحتج إليه - كما أنه من عرف البارد بأنه يصدر عنه كيفية كذا وكذا - احتاج إلى أن يقول بالذات - أما إذا عرف البرودة بأنها كيفية كذا وكذا - لم يحتج إلى أن يقول بالذات - ونعود إلى المقصود ونقول فإذن قد ظهر - أن كل فاعل يفعل بالطبع من غير إرادة أو بإرادة - فهو مستكمل إما بنفس فعله أو بما يستفيضه [ 1 ] - فالجواد هو كل فاعل يكون أعلى مرتبة من هذه المراتب - قال الفاضل الشارح وقول الشيخ واعلم أن الذي يفعل شيئا لو لم يفعله قبح به - إلى آخره - إعادة للكلام الذي ذكره في الفصل الثاني من هذا النمط - أقول قضيتان اشتركتا في الموضوع فقط [ 2 ] - وهو الفاعل الذي لو لم يفعل شيئا لقبح ذلك به - وتباينتا في المحمول فإنه حكم عليه هناك - بأنه مسلوب كمال -

--> [ 1 ] قوله « فاذن قد ظهر أن كل فاعل يفعل بالطبع من غير إرادة أو بإرادة فهو مستكمل اما بنفس فعله أو بما يستعيضه » وذلك لان الفعل اما لطلب الكمال ، أو لدفع النقص : فإن كان لطلب الكمال فهو مستكمل بفعله . واليه أشار في الفصل المتقدم : بان الشئ إذا أحسن به أن يكون صفة عنه غيره فلو لم يكن عنده لم يحصل له الا حسن به فهو في حد ذاته مسلوب كمال ، وان كان لدفع نقص فهو مستعيض بفعله لأنه يستفيد في مقابلة فعله التخلص من النقص . واليه أشار في هذا الفصل بقوله : ان الشئ الذي فعل شيئا لو لم يفعله لقبح به أو لم يحسن منه فهو متخلص من الذم . أي مستعيض . على ما فسر به . وهذا البحث إشارة إلى الفرق بين الكلامين . واعلم أن ظاهر هذا الكلام ان الفاعل بالإرادة مستكمل . وقد ذكر مثل هذا في مواضع اخر : منها حيث فسر الغاية قال : إذ لا يجوز صدورها عنه بقصد وإرادة ، وقال بعد ذلك : ليس المقصود من هذه الفصول ان كل فاعل بالإرادة مستكمل بل هو مقدمة في اثبات المطلوب . ومن البين ان جميع ذلك ينافي ما سبق من أن اللّه تعالى فاعل بالاختيار . ولعل المراد هاهنا انه ليس فاعلا بالإرادة لغرض . وهو لا يوجب ان لا يكون فاعلا بالإرادة لا لغرض . [ 2 ] قوله « هما قضيتان اشتركتا في الموضوع » القضية المذكورة في الفصل الثاني قوله : فهو مسلوب كمال . والضمير فيها راجع إلى الذي يفعل شيئا لو لم يفعله لم يكن عنه ما هو أحسن به . والموضوع في القضية المذكورة في هذا الفصل هو الذي يفعل شيئا لو لم يفعله لقبح به أو لم يحسن